فوزي آل سيف
78
فقه العلاقات الاجتماعية
نعم : لو آجرت نفسها بعد التزويج توقفت صحة الإجارة على إجازة الزوج فيما ينافي حقه ونفذت الإجارة فيما لا ينافي حقه[230] . كما أنه ليس لها أن تتحكم بالزوج في نشاطه المالي والاقتصادي ، وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان . * ثم إن حق المساكنة يجب أن لا يتحول إلى سجن للمرأة . فلا تخرج لأي غرض شرعي ، وإنما ما كان ذلك الخروج منافيا لحقه الزوجي . خصوصا أن عدم إذنه لها في بعض الحالات يعد من المعاشرة بغير المعروف .. والحق المنافي لاستمتاعه لا ينبغي أن ينظر إليه بشكل جنسي مجرد بل هو أن تكون إلى جواره متى أراد الأنس معها . * كذلك فإن قيمومة الرجل تعني قيادته الحكيمة لهذه السفينة ، لا أن يتحول إلى دكتاتور مستبد أو يلغي استقلالية المرأة وشخصيتها في تصرفها في مالها ، في اعتناقها الأفكار المختلفة مع الزوج ، وفي تقليدها الديني ، ورأيها السياسي : نقلت الصحف في الكويت أن رجلا هدد زوجته بالطلاق إن لم تنتخب مرشحه للمجلس البلدي !! ، وفي بلادنا قالت احداهن ممن تقلد من لا يلزم بستر الوجه إن زوجي يجبرني عليه ويهددني بالطلاق لأنه يقلد من يقول بلزومه ! . بل لقد قال بعض علمائنا الأقدمين كصاحب المسالك[231] الشهيد الثاني أن الزوج فيما وراء حق المساكنة والاستمتاع كالأجنبي ونقله عنه صاحب الجواهر[232] ولم يعلق عليه . في الأخير ينبغي أن يلتفت الزوجان إلى أن عقد الزواج ليس عقد تملك من طرف لآخر يملك فيه الأول رقبة الثاني ومصيره وحياته واهتماماًته ، ولا هو عقد توظيف يعمل بموجبه أحد الطرفين أجيراً عند الآخر لينفق عليه ويكدح في جمع المال ليصرفه هذا ، وإنما التعبير القرآني الجامع خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)[233] و ( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ )[234] . كيف تحدث القرآن عن العلاقة الزوجية : وبالتأمل في الآية الأولى نجدها ترسم صورة رائعة للعلاقة بين الزوجين وتجعل هذه العلاقة و المؤسسة القائمة عليها من آيات الله التي ينبغي التفكر فيها والتأمل ، وأنها من العلامات على وحدانية الله سبحانه ، وقدرته وحسن تنظيمه لهذا الكون . فقد استعمل القرآن الكريم مفردة السكن هنا ، كغاية للزواج ، (لِتَسْكُنُوا) أي ليسكن بعضكم لبعض ، ومع مراجعة آيات القرآن نلاحظ أن هذه المفردة ( لتسكنوا ) قد استعملت بالنسبة إلى الليل في ثلاثة مواضع ، وجعل ذلك الأمر من رحمة الله في إحداها ( وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [235]، فالليل لتسكنوا فيه ، والنهار لتبتغوا من فضله .. ومن الملاحظ أثر الليل في حياة البشرية حيث فيه السكينة والارتياح والاطمئنان بعد يوم حافل بالنشاط والعمل والحركة . ولولا هذه الجهة في حياة الإنسان لسببت له من المشاكل الصحية والنفسية ما هو غير قليل كما يثبت ذلك الأطباء ويتحدث عنه القرآن ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا
--> 230 ) منهاج الصالحين - السيد الخوئي 2 / 85 231 ) مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام 8/360 232 ) جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 31/205 233 ) الروم: من الآية21 234 ) البقرة: من الآية187 235 ) القصص:73